هاشم معروف الحسني

146

تاريخ الفقه الجعفري

لقد نشأ أبو هريرة فقيرا معدما ، يخدم الناس بطعام بطنه ، ولم تتغير حالته حتى بعد دخوله الإسلام . ولم يجد من الخليفتين ، أبي بكر وعمر ، ما كان يصبو إليه من النعيم والثراء . ويدل على ذلك ان عمر بن الخطاب ، لما عزله عن ولاية البحرين ، قال له : هل علمت من حين استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، وكان ذلك سنة إحدى وعشرين للهجرة . ومن كانت هذه حالته ، ليس من المستغرب عليه ، أن يبتعد عن علي ، الذي كان أكثر طعامه خبز الشعير والخل ، ويميل إلى دولة بني أمية ذات الأطعمة الناعمة والعطاء الجزيل . إن عليا أحمي حديدة لأخيه عقيل المكفوف وأعطاه إياها ، لما طلب منه أكثر من عطائه ، ليسد جوعه وجوع أولاده . فما ذا يأمل منه أبو هريرة ، وقد رأى منه هذا الصنيع مع أخيه ، أقرب الناس إليه ؟ وبالأمس القريب أعطاه سليل أمية ( عثمان ) عشرة آلاف دينار حينما روى له ان الرسول قال : ستلقون بعدي فتنة واختلافا ، فقال له قائل من الناس ، فمن لنا يا رسول اللَّه . أو ما تأمرنا ؟ فقال : عليكم بالأمين وأصحابه ، وهو يشير إلى عثمان ( 1 ) . وحينما روى عن الرسول أنه قال : ان أشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ، يعملون بما جاء في الورق المعلق ، يعني بذلك المصاحف التي كتبها عثمان ( 2 ) . لقد اتجه أبو هريرة إلى الأمويين على عهد عثمان ، وكان في ذلك مسيرا لما فطر عليه وبرز في حياته منذ صباه ، وكان من أغلى أمانيه ، وهو إشباع بطنه . واتجه إليه الأمويون ، فكان يعطيه عثمان ويدنيه ، وبعده اعتزل عليا ومال مع معاوية ، ومعاوية كان أحوج له ولأمثاله من عثمان ، فأغدق عليه العطاء

--> ( 1 ) نقله في الأضواء عن مسند أحمد . ( 2 ) نفس المصدر ، عن البداية والنهاية لابن كثير .